متابعة - شبكة قُدس: مع كل إعلان عن اغتيال قيادي بارز في صفوف المقاومة الفلسطينية، يسارع الاحتلال الإسرائيلي إلى تقديم العملية كـ“إنجاز حاسم” يعيد ترميم صورته الأمنية ويمنح جمهوره لحظة نصر سريعة، في ظل صدمة السابع من أكتوبر وما تبعها من اهتزاز عميق في مفهوم الردع.
لكن خلف هذا الخطاب، تتكشف إشكالية أعمق تتعلق بحدود فعالية ما يُعرف بسياسة “قطع الرأس”، أي استهداف القيادات بهدف شلّ البنية التنظيمية أو تفكيكها.
تاريخياً، استخدم الاحتلال الإسرائيلي الاغتيالات كأداة عملياتية مركّزة في تعطيل هجوم وإحباط خطة أو إرباك المقاومة؛ غير أن التحول الذي برز بعد السابع من أكتوبر، يكشف أن هذه العمليات باتت محمّلة أيضاً باعتبارات سياسية ونفسية، حيث تغدو صورة الاغتيال جزءاً من إدارة المعركة الإعلامية وإعادة إنتاج الردع المفقود بالارتكاز إلى "الثأر" وتحقيق "صورة نصر"، أكثر من كونها مجرد أداة عسكرية.
وتنطلق المقاربة الإسرائيلية التقليدية من فرضية أن التنظيمات الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها حركة حماس، تعمل ضمن هرم قيادي واضح، وأن استهداف القمة يؤدي تلقائياً إلى إرباك أو انهيار المستويات الأدنى.
لكن التجربة الميدانية الممتدة تُظهر نموذجاً أكثر تعقيداً؛ إذ تعتمد هذه التنظيمات على بنى مرنة وشبكية، تسمح بإعادة توزيع الأدوار بسرعة نسبية، وامتصاص صدمات فقدان القادة، حتى في المستويات العليا، رغم الإرباك المؤقت الذي قد تحدثه هذه الاغتيالات على المدى القصير.
لكن على المدى الاستراتيجي البعيد، تترتب على هذه السياسة نتائج عكسية تماماً؛ بولادة أجيال أكثر راديكالية، حيث أثبتت التجربة التاريخية منذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين وفتحي الشقاقي على سبيل المثال، وصولاً إلى قادة الصف الأول الحاليين، أن البدلاء الذين يخرجون من عباءة القادة المستهدفين غالباً ما يكونون أكثر اندفاعاً، وأشد بأساً، وأقل ميلاً للمساومة، وأكثر تطويراً للأدوات العسكرية.
كما أن الاغتيالات تسهم بشكل غير مباشر، في تخليد الفكرة وتجذيرها، حيث لا تقتل الصواريخ الأفكار، بل إن دماء القيادات تتحول إلى وقود رمزي يتغذى عليه الجيل الجديد من المقاومين، ويتحول القائد من هدف عسكري إلى أيقونة ملهمة.
وفي حين تسجل الاستخبارات الإسرائيلية نقاطاً في سجل الاغتيالات، إلا أنها تفشل في قراءة نتائج ما بعد عملية الاغتيال، التي تغير أسماء مسؤولي المناصب القيادية لكنها لا تنهي الفكرة القائمة عليها المقاومة والمرتبطة بوجود الاحتلال.



